ابن كثير

76

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل ، كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب به . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) يقول تعالى مؤدبا عباده المؤمنين وآمرا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ وقرئ « في المجلس » فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وذلك أن الجزاء من جنس العمل كما جاء في الحديث الصحيح : « من بنى للّه مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة » « 1 » وفي الحديث الآخر : « ومن يسر على معسر يسر اللّه عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره اللّه في الدنيا والآخرة واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » « 2 » ولهذا أشباه كثيرة ، ولهذا قال تعالى : فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ قال قتادة : نزلت هذه الآية في مجالس الذكر ، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضنوه بمجالسهم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأمرهم اللّه تعالى أن يفسح بعضهم لبعض « 3 » . وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الجمعة ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ في الصفة وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوه إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا السّلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فرد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم ، فشق ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر : « قم يا فلان وأنت يا فلان » فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الكراهة في وجوههم ، فقال المنافقون ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس ؟ واللّه ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه ، فبلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رحم اللّه رجلا فسح لأخيه » فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا فيفسح القوم لإخوانهم ونزلت هذه الآية يوم الجمعة . رواه ابن أبي حاتم . وقد قال الإمام أحمد والشافعي حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا » « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 24 ، 25 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الذكر حديث 38 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 12 / 18 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الجمعة باب 20 ، وأحمد في المسند 2 / 17 ، 22 ، 102 .